السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

460

مفاتيح الأصول

يجوزون في ما لم يقترن به الصارف بسبب الظاهر أن يكون هناك صارف مع غفلتهم عنه فينبغي القطع بإرادة الظن بقيام هذا الاحتمال فتأمل في عبارته وقوله فيحتمل الاعتماد إلى آخره لا يخفى أنه على هذا لا حاجة إلى اختصاص أحكام الكتاب بالموجودين في زمن الخطاب وإن كان كلها من قبيل خطاب المشافهة إذ على تقدير عموم الخطاب أيضا يكفي أن يقال إنه مع قيام هذا الاحتمال ينتفي القطع والأولى جعل هذا جوابا آخر بعد التنزل من ذلك فتأمل انتهى وقد يورد عليه أيضا أن دعوى دلالة الكتاب المجيد على جميع الأحكام الشرعية الفرعية ظنية مجازفة صرفة تحكم بحت فإنه كثيرا ما يفيد القطع عادة بالحكم الشّرعي الفرعي كما يفيده المتواتر من السنة بل لو قيل إن كل آية شريفة تدل بظاهرها على حكم شرعي فرعي تفيد القطع بحكم شرعي فرعي آخر فإن قوله تعالى أقيموا الصّلاة وآتوا الزكاة وقوله تعالى وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وقوله تعالى من شهد منكم الشهر فليصمه وقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن للَّه خمسه الآية وإن كانت تدل دلالة ظنيّة على وجوب الصّلاة والزكاة والصّوم والحج والخمس لكنها في الدلالة على أصل شرعيّة المذكورات بل ورجحانها في الجملة مفيدة للقطع قطعا وكذلك سائر آيات الأحكام نعم القطع الحاصل هنا قطع عادي كالقطع الحاصل من المتواترات والتجربيات والحدسيّات والاستقرائيات وهو من أفراد العلم حقيقة بالاتفاق فيترتب عليه ما يترتب على العلم عند العقلاء بالضرورة فالشبهة المتقدمة لا تمنع مما ذكر عادة بالضرورة نعم هي مانعة من حصول العلم العقلي كالعلم الحاصل من الأشكال الأربعة وغيرها من سائر القياسات المنطقية والبراهين العقلية وذلك غير قادح فإن المقصود حصول العلم بالحكم الشرعي من أيّ شيء كان ولا إشكال في حصول العلم العادي بالحكم الشرعي أصليّا كان أو فرعيّا من القرآن المجيد ولذا اتفق محققو الإسلام على أنه أحد الأدلة على الأحكام الشرعيّة مطلقا قولا وفعلا فإن تصريحهم بذلك في مواضع عديدة ورجوعهم إليه في الأحكام الشرعية الأصولية ومن زمن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليه السلام إلى يومنا هذا أمر لا يمكن إنكاره وما ذلك إلا لكونه قد يفيد القطع ولو عادة بالحكم الشرعي فتأمل وأما السنة فلأن الموجود منها المروي من طرق العامة والخاصّة لا يستوعب جميع الأحكام الشرعية بل كثير منها خارج عنه وليس له عليه دلالة أصلا وهذا واضح لا يستريب فيه من له تتبع تام في المسائل الفقهية خصوصا فيما يتعلق منها بالمعاملات فإن الروايات المتعلقة بها في غاية الندرة وأكثر مسائلها خال عن رواية متعلقه وأمّا الَّذي يستفاد منه الحكم الشرعي فكثير منه لا حاجة إليه لتعلَّقه بضروري الدين أو المذهب أو المجمع عليه والَّذي لا يتعلق بما ذكر فكثير منه يجب طرحه لقيام الدليل القاطع عليه والذي لا يجب طرحه على قسمين غير قطعي السند وقطعي السند وكلاهما لا يوجبان القطع بالأحكام الشرعية أما الأول فظاهر ومعظم الآثار الموجودة في زماننا من هذا القبيل وأما ما توهمه طائفة خالية عن التحقيق من أن جميع الأخبار أو جميع الأخبار المذكورة في الكتب الأربعة قطعية السّند معلومة الصّدور فهو شيء لا يصغى إليه كما بيّناه في محل آخر وأما قطعي السند فلأنه ( فلكونه ) ظنّي الدلالة لأن دلالته بالألفاظ ودلالة الألفاظ ظنية وما هو ظني الدّلالة لا يفيد العلم وفيه نظر كما أشار إليه جدي الصّالح المازندراني فقال قوله لفقد السّنة المتواترة ممنوع لأن الأحاديث المتعاضدة الموافقة كثيرة يظهر لمن يجتمع عنده الأصول الأربعة وغيرها من الأصول الموجودة في هذا الزمان والقول بأن الأصول الأربعة مستندة إلى ثلاثة رضوان اللَّه عليهم والتواتر لا يحصل بقولهم مدفوع بأن العدد غير معتبر في التواتر بل المعتبر هو حصول العلم بصحّة النقل ولا يخفى على المصنف أن هؤلاء الثلاثة إذا اتفقت رواياتهم مع اختلاف المتون أو اتفقت المتون مع اختلاف السند يحصل العلم بالتواتر إما لفظا أو معنى سيّما إذا صرّحوا بأن ما ذكروه مأخوذ من عدة كتب من الأصول المدوّنة في الأحاديث لأن العادة قاضية بأن هؤلاء مع كمال ورعهم وشدة اهتمامهم في الدّين وتقدمهم على الفئة النّاجية لا يكذبون في ذلك ولا يفترون على اللَّه تعالى كذبا وأما القول بأن دلالة الأخبار وكذا دلالة الآيات الكريمة ظنية فلا يضرّه لأن الخصم إنما يدّعي أن وجوب العمل موقوف على التواتر لا على قطعية الدلالة فهم يقولون إذا ثبت الأصل بالتواتر وعلم أنه كان من الشارع وجب اتباع مدلوله وإن كان ظنيا ولا يلزمهم من اعتبار هذا الظن اعتبار الظن الحاصل بالآحاد مع تجويز أن لا يكون الأصل من الشارع انتهى وأما الإجماع فلأن حصوله في زمن الغيبة على وجه يفيد العلم برضا المعصوم عليه السلام مستحيل عادة كما هو مذهب جماعة من أهل التحقيق وأما الشهرة وعدم ظهور الخلاف وظهور عدم الخلاف وفتوى جماعة فلا يفيد العلم بلا شبهة لا يقال كيف يصحّ المنع من حصول الإجماع في زمن الغيبة والحال أنّ معظم الأحكام الشرعية الفرعيّة يستفاد من الإجماع المركب وإنكاره مكابرة فلا يمكن دعوى انحصار المعلوم من الأحكام الشّرعية في ضروري الدّين أو المذهب لأنا نقول لو سلم ما ذكر لا يلزم من تحقق الإجماع المركب كون الحكم قطعيا لأن ثبوت الحكم بالإجماع المركب يتوقف على ضمّ مقدّمة أخرى وهي دلالة الكتاب أو دلالة السّنة على أمر وقد عرفت أنهما ظنيان ومن الظاهر أنه إذا كانت إحدى مقدّمات القياس ظنية كانت النتيجة ظنية لأنها تتبع أخسّ المقدّمتين وقد أشار إلى هذا جدي قدس سره فقال في رسالته في الاجتهاد والأخبار في الفصل الرابع في